جوهرة وادي حنيفة

على ضفاف وادي حنيفة، حيث تروي سعفات النخيل حكايات الزمن العتيق، تقف الدرعية لا كمدينة بُنيت من طين، بل كحارس أمين لـ "ذاكرة البدايات". هناك، حين تخطو في ممراتها، لا تقابلك جدران صامتة، بل تهمس لك الأزقة بأصوات الفرسان ووقع حوافر الخيل التي رسمت فجراً جديداً لجزيرة العرب. في تلك البقعة، تعانق صلابة الطين دفء الشمس، لتروي قصة أمة نهضت من قلب الصحراء؛ قصة أجداد زرعوا أحلامهم وعزائمهم في الأرض، فأثمرت وطناً يمتد من الأفق إلى الأفق، جاعلين من كل زاوية ونافذة نبضاً حياً يحكي ملحمة العز والتوحيد التي لا تشيخ.

ولم تكن الدرعية يوماً مجرد محطة عابرة في صفحات التاريخ، بل هي العاصمة الأولى ومربع الحكم الذي انطلقت منه الدولة السعودية الأولى عام 1727م. تتجسد في هذه الأرض عبقرية العمارة النجدية التي طوعت قسوة الطبيعة، وهو ما تُوج بتسجيل "حي الطريف" التاريخي ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. وفي قلبها، يقف "قصر سلوى" الشامخ كأكبر قصورها وشاهداً على عصر من الوحدة والازدهار. اليوم، لا تُقرأ الدرعية كأطلال ماضٍ، بل كوجهة حضارية تنبض بالحياة، تدمج بين إرث الأمس ورؤية الغد، لتؤكد للعالم أن الجذور العميقة هي وحدها القادرة على معانقة السماء

فراس الجهني